إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
70
زهر الآداب وثمر الألباب
دفن ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم ، ورجعت فاطمة إلى بيتها ؛ فاجتمع إليها نساؤها ، فقالت : اغبرّ آفاق السماء ، وكوّرت شمس النهار ، وأظلم العصران « 1 » فالأرض من بعد النبي كئيبة أسفا عليه كثيرة الرجفان « 2 » فليبكه شرق البلاد وغربها وليبكه مضر وكل يمان وليبكه الطَّور المعظَّم جوّه والبيت ذو الأستار والأركان يا خاتم الرسل المبارك ضوءه صلَّى عليك منزّل الفرقان « 3 » [ عود إلى المختار من كلام أبي بكر ] وكان أبو بكر - رضي اللَّه عنه ! - إذا أثنى عليه يقول : اللهم أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، فاجعلني خيرا مما يحسبون ، واغفر لي برحمتك مالا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون . وقال رحمه اللَّه في بعض خطبه : إنكم في مهل ، من ورائه أجل ، فبادروا في مهل آجالكم ، قبل أن تنقطع آمالكم ، فتردكم إلى سوء أعمالكم . وذكر أبو بكر الملوك فقال : إن الملك إذا ملك زهّده اللَّه في ماله ، ورغَّبه في مال غيره ، وأشرب قلبه الإشفاق ؛ فهو يسخط على الكثير ، ويحسد على القليل ، جذل الظاهر ، حزين الباطن ، حتى إذا وجبت نفسه ، ونضب عمره ، وضحا ظلَّه « 4 » حاسبه فأشدّ حسابه وأقل عفوه . وذكر أنه وصل إلى أبى بكر مال من البحرين ، فساوى فيه بين الناس ، فغضبت الأنصار ، وقالوا له : فضّلنا ! فقال أبو بكر : صدقتم ، إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا ، وإن صبرتم كان ذلك للَّه عز وجل ! فقالوا : واللَّه ما عملنا إلا للَّه تعالى ، وانصرفوا ؛ فرقى أبو بكر المنبر ، فحمد اللَّه ، وأثنى
--> « 1 » كورت : سقطت « 2 » الرجفان : الاضطراب « 3 » في نسخة « المبارك ضنؤه » أي الذي بارك اللَّه نسله ( م ) والظاهر أن هذه الأبيات مصنوعة « 4 » وجبت نفسه : فاضت روحه ، ونضب : نفد - وضحا ظله : كناية عن أنه مات ( م )